ابن الجوزي

116

كتاب ذم الهوى

فقالت لي النفس : إنك في بلاء عظيم مما لا تتيقّنه ، فإنّ أول نظرة لا تثبت الشخص ، فلو أعدت النظر فربما أوجب التثبت السّلوّ . فما تقول في هذه الحادثة ؟ فقلت له : هذا لا يصلح لأربعة أوجه : أحدها : أن هذا لا يحلّ . والثاني : أنك لو نظرت فالظاهر تقوية ما عندك ، فإن ما بهتك بأول نظرة فالظاهر حسنه ، فلا تحسن المخاطرة بتوكيد الأمر ، لأنك ربما رأيت ما هو فوق ظنك فزاد عذابك . والثالث : أن إبليس عند قصدك لهذه النظرة يقوم في ركائبه ليزيّن لك ما لا يحسن ثم لا تعان عليه لأنك إذا أعرضت عن امتثال أمر الشرع تخلّت عنك المعونة . والرابع : أنك الآن في مقام معاملة للحق عز وجل على ترك محبوب ، وأنت تريد أن تتثبت حتى إذا لم يكن المنظور مرضيا تركته ، فإذن يكون تركه لأنه لا يلائم غرضك ، لا للّه تعالى ! . فأين معاملته بترك المحبوب لأجله ؟ وقد قال سبحانه : وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ( 8 ) [ الدهر ] ، وقال : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ( 92 ) [ آل عمران ] فإياك إياك .